ابن الجوزي
189
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ورائهم ، فقتل مصادا [ 1 ] أخا شبيب ، وغزالة امرأة شبيب . وجاء الخبر إلى الحجاج ، فقال لأهل الشام : شدوا عليهم فقد أتاهم ما أرعب قلوبهم ، فشدوا عليهم فهزموهم . وتخلف شبيب في حامية الناس ، ثم عبر على الجسر وقطعه . وفي رواية : أن غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران ، فدخل بها شبيب الكوفة فوفت بنذرها . ولما رحل شبيب بعث الحجاج حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في اثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام ، وقال له : حيث ما لقيته فنازله ، وبعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب أن من جاءنا منهم فهو آمن ، فكان كل من ليست له تلك البصيرة ممن قد هدّه القتال يجيء فيؤمن ، فتفرق عنه ناس كثير من أصحابه ، وبلغ شبيب أن عبد الرحمن بالأنبار ، فأقبل بأصحابه فبيتهم فما قدر عليهم بشيء لأنهم قد احترزوا ، وجرت مقتلة وسقطت أيد ، وفقئت أعين ، فقتل من أصحاب شبيب نحو من ثلاثين ، ومن الآخرين نحو من مائة ، فمل الفريقان بعضهم بعضا من طول القتال ، ثم انصرف عنهم شبيب وهو يقول لأصحابه : ما أشد هذا الَّذي بنا ، لو كنا إنما نطلب الدنيا ، وما أيسر هذا في جانب ثواب الله عز وجل ، ثم حدث أصحابه ، فقال : قتلت أمس منهم رجلين أحدهما أشجع الناس ، والآخر أجبن الناس ، خرجت عشية أمس طليعة لكم فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا القرية يشترون منها حوائجهم ، فاشترى أحدهم حاجته ثم خرج قبل أصحابه وخرجت معه ، فقال لي : أتشتري علفا ، فقلت : إن لي رفقاء قد كفوني ذلك ، أين ترى عدونا هذا ؟ فقال : قد بلغني أنه نزل قريبا منا ، وأيم الله لوددت أني قد لقيت شبيبهم هذا ، قلت فتحب ذلك ، / قال : نعم ، قلت : فخذ حذرك فأنا والله شبيب ، فانتضيت سيفي ، فخر والله ميتا وانصرفت ، فلقيت الآخر خارجا من القرية ، فقال لي : أين تذهب الساعة ؟ وإنما يرجع [ 2 ] الناس إلى عسكرهم ، فلم أكلمه ، ومضيت فتبعني حتى لحقني فعطفت عليه [ 3 ] ، فقلت له : مالك ؟ فقال : أنت والله عدونا ؟ فقلت : أجل
--> [ 1 ] في الأصل : « فقتل معاذا » . وما أوردناه من ت . [ 2 ] في الأصل : « وثم يرجع الناس » . [ 3 ] تاريخ الطبري 6 / 178 : « فقطعت عليه » .